فصل: فصل في أسباب شرح الصدر وضيقه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فصل في أسباب شرح الصدر وضيقه:

وقال ابن القيم: أعظم أسباب شرح الصدر التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، وقال الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [39: 22]، وقال: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}.
فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر.
ومنها النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من القلب ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصبعه.
وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح». قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».
فنصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية، هذه تشرح الصدر وهذه تضيقه.
ومنها العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع.
وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم وأطيبهم عيشًا.
قلت ولله در القائل:
اجْعَلْ جَلِيسَكَ دَفْتَرًا فِي نَشْرِهِ ** لِلْمَيِّتِ مِنْ حُكْمِ الْعُلُومِ نُشُورُ

فَكِتَابُ عِلْمِ لِلأَدِيبِ مُؤَآنِسٌ ** وَمُؤَدَّبٌ وَمُبَشِّرُ وَنَذِيرُ

وَمُفِيدَ آدَابَ وَمُؤْنِس وَحْشَة ** وَإِذَا انْفَرَدْتَ فَصَاحِبٌ وَسَمِيرٌ

وَمِنْهَا الإِنَابَة إلى الله تعالى، ومحبته بكل القلب والإقبال عليه، والتنعم بعبادته فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك حتى ليقول أحيانًا إن كنت في الجنة في مثل هذه الحال فإني إذا في عيش طيب.
وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم لا يعرفه إلا من له حس به.
وكلما كانت المحبة أقوى وأشد، كان الصدر أفسح وأشرح، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن فرؤيتهم قذى عينه، ومخالتطهم حمى روحه.
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر، الإعراض عن الله تعالى وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، فإن من أحب شيئًا غير الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير.
فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد عيشًا ولا أتعب قلبًا.
فهما محبتان محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ونعيم الروح وغذاؤها، ودواؤها، بل هي حياتها، وقرة عينها، وهي محبة الله وحده، بكل القلب، وانجذاب قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلها إليه.
ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سوى الله سبحانه.
ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه، وحبسه وعذابه.
ومنها الإحسان على الخلق ونفعهم، بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرًا وأنكدهم عيشًا وأعظمهم همًا وغمًا.
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مثلاً للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، كلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، حتى يجر ثيابه ويعفي أثره وكلما هم البخيل بالصدقة لزقت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه.
فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق، وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل، وانحصار قلبه.
ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان، أضيق الناس صدرًا واحصرهم قلبًا، لا فرحة ولا سرور، ولا لذة، ولا نعيم، إلا جنس الحيوان البهيم.
ومنها اخراج دغل القلب من الصفات المذمومة، التي توجب ضيقه، وعذابه، وتحول بينه وبين البرء.
ومنها ترك فضول النظر، والكلام، والاستماع والمخالطة والأكل والنوم، فإن هذه الفضول تستحيل آلامًا وغمومًا وهمومًا في القلب تحصره، وتحبسه، وتضيقه، ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها.
فلا إله إلا الله، ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم، وما أنكد عيشه، وما أسوء حاله، وما أشد حصر قلبه، ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك المحمودة بسهم، وكانت همته دائرة عليها حائمة حولها.
فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [83: 13]؛ ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} وبينهما مراتب متفاوتة، ولا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى.
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب وقرة العين، وحياة الروح فهو أكمل الخلق في هذا الشرح وقرة العين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

.فائدة عظيمة النفع:

وقال رحمه الله: ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبًا تأتي من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى.
وهي أمور ذاتية للرب وذات الرب سبحانه، مستلزمة للحكمة والخير والجود.
وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه.
فمن أراد الله به خيرًا أعطاه هذا الفضل فصدر منه الإحسان والبر والطاعة.
ومن أراد به شرًا أمسكه عنه وخلاه، ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح.
وليس منعه لذلك ظلمًا منه سبحانه فإنه فضله وليس من منع فضله ظالمًا لاسيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به.
وأيضًا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله.
وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر به ويزكو. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 35].
فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر النعمة ويشكره عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع والذل والمحبة. فمن لم يعرف النعمة. بل كان جاهلاً بها لم يشكرها.
ومن عرفها لم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها.
ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضي به وعنه لم يشكرها أيضًا.
ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته هو الشكر لها.
فلا بد في شكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل على المنعم ومحبته والخضوع له.
كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنًا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنًا بها فمات من ليلته دخل الجنة».
فقوله: «أبوء لك بنعمتك علي». يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته. فالعبد يبوء إلى الله بنعمته عليه ويبوء بذنبه ويرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه.
فهو معبوده وهو مستعانه لا صلاح له إلا بعبادته ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته.
ومن العلوم أن أجل نعمه على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته.
ومن المعلوم أيضًا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ومنها الطيب. وبين ذلك وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي والقلب الخسيس الخبيث.
وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم وإبداعها عندها ويزكو بذرها فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعمة كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر.
فليس من الحكمة أن يبذر البذر في الصخور والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال. فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وميراثًا.
فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه. ومن لا يصلح لذلك.
وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوارثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم.
فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته وتوحيده حبب إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك.
ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أحسن من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه.
فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به فيزداد العبد به معرفة وله محبة وإليه إنابة وعليه توكلاً. ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه.
وهذا هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته.
اقتضت حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب نور الإيمان والمعرفة وسقاه بالعلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره شمس الهداية وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة.
فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم فمن لم ينبت قلبه شيئًا من الخير البتة فهذا من أشقى الأشقياء.
فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله.
والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من يصلح له.
وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلاً وقابلاً فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب.
وقال رحمه الله كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين إما أن تكون طبيعته يابسة غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها.
وإما أن تكون لينة منقادة سلسلة القيادة لكنها غير ثابتة على ذلك بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب.
فمتى رزق العبد انقيادًا للحق وثباتًا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال: صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها وخمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى الله وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته.
واستحدثت همة أخرى وعلومًا أخر وولد أخرى نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه فيولد قلبه ولادة حقيقة وكما أن بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة.
فخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدار، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أن قال: يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا من ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين.
ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلاً عن أن يصدقوا بها فيقول القائل كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذا كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد.
والمقصود أن صدق التأهب لقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية مقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعماله القلوب والجوارح.
فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله المفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه
وَأَهْوَى مِنَ الشُّبَّانِ كُلَّ مُجَنَّبٍ ** عَنِ اللَّهْوِ مِقْدَمًا عَلَى كُلِّ طَاعَةِ

لَهُ عِفَّةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُحَرَّمٌ ** وَذَوُ رَغْبَةٍ فِيمَا يَقُودُ لِجَنَّةِ

تَمَسَّكَ بِهِ أَنْ تَلْقَهُ يَا أَخَا لِتَلْقَى ** تَمْسُّكَ ذِي بُخْلٍ بِتِبْرٍ وفضَّة

وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
فصل:
وقال رحمه الله: طوبى لمن أنصف فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته.
فإن أخذه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤخذه رأى فضله.
وإن عمل حسنة رآها من منته عليه، فإن قبلها فمنه وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به.
وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلان له، وإمساك عصمته، وذلك من عدله فيه.
فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه، فإن غفر له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه.
ونكتة المسألة وسرها أنه لا يرى ربه إلا محسنًا ولا يرى نفسه إلا مسيئًا ومفرطًا أو مقصّرًا.
فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه، وكل ما يسوءه من ذنوبه.
وقال من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه؟ فاعلم أن الله خلق في صدرك بيتًا وهو القلب. ووضع في صدره عرشًا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى، فهو مستو على سرير القلب، وعلى سرير بساط من الرضا. ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره، وفتح إليه بابًا من جنة رحمته، والأنس به، والشوق إلى لقائه.
وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه من أصناف الرياحين والأشجار المثمرة، من أنواع الطاعات والتهليل وللتسبيح والتحميد والتقديس.
وجعل في وسط البستان شجرة معرفته، فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة، والخشية والفرح به، والابتهاج بقربه، وأجرى إلى تلك الشجرة، ما يسقيها من تدبر كلامه وفهمه، والعمل بوصاياه.
وعلق في ذلك البيت قنديلاً أسرجه بضياء معرفته، وإيمان به وتوحيده، فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.
ثم أحاط عليه حائطًا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان، فلا يلحقه أذاهم، وأقام عليه حرسًا من الملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه.
ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائمًا همه إصلاح السكن ولَمَّ شعثه ليرضاه الساكن منزلاً.
وإذا أحس بأدنى شعث في السكن بادر إلى إصلاحه ولمه، خشية انتقال الساكن منه، فنعم الساكن، ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين.
كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب، وصار مأوى للحشرات والهوام، ومحلاً لإلقاء الأنتان، والقاذورات فيه.
فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن ولا حافظ لها. وهي معدة لقضاء الحاجة، مظلمة الأرجاء، منتة الرائحة، وقد عمها الخراب، وملأتها القاذورات. فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام.
الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط الجهل وتخفق فيه الأهواء، وعن يمينه وشماله مرافق الشهوات.
وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة، والركون إلى الدنيا، والطمأنينة بها، والزهد في الآخرة.
وأمطر من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع، ما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل، والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات، من الزوائد والانتدابات، والنوادر والهزليات والمضحكات، والأشعار الغزليات، والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات، وتزهد في الطاعات.
وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه، فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون، والذهاب مع كل ريح، وإتباع كل شهوة.
ومن ثمرها الهموم والغموم، والأحزان والآلام، ولكنها متوارية باشتغال النفس بلهوها ولعبها. فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق، ومعيشة ضنك.
وأجري إلى هذه الشجرة ما يسقيها من إتباع الهوى، وطول الأمل والغرور.
ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان، ولا مؤذ ولا قذر.
فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت، فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه، وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه ومن جهل ذلك، جهل نفسه وأضاع سعادته. والله الموفق.
وقال: أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع فاقترفوا فرقة قابلت أمره بالترك، ونهيه بالارتكاب، وعطاءه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط، وهؤلاء أعداؤه، وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك.
وقسم قالوا: إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك.
فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا، فإذا مزقه عليهم الموت، صاروا على النعيم المقيم، وقرة الأعين كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة الدنيا.
فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم. فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر مع من تميل منهما، ومن تقابل؛ إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين، فأنت مع أحدهما لا محالة.
فقسم استغشوا الهوى فخالفوه، واستنصحوا العقل فشاوروه وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا وجوارحهم للعمل بما أمروا به، وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة.
واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدينا وقلوبهم مسافرة عنها.
واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها، واهتموا بالله وطاعته على قدر حاجتهم إليه، وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها.
فجعل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها، أن آنسهم بنفسه، وأقبل بقلوبهم إليه، وجمعها على محبته، وشوقهم على لقائه، ونعمهم بقربه.
وفرغ قلوبهم مما ملأ به قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها، والغم من خوف ذهابها.
فاستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانهم، والملأ الأعلى بأرواحهم.
فائدة:
قال رحمه الله: إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته.
وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله على نفسه.
فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.
فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره.
فكل من أعرض عن عبوديته الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته.
قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.
قال سفيان بن عيينة: لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن.
فقال له قائل فأين في القرآن أعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة.
فقال في قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} الآية.
وَفِي السِّقَمِ وَالآفَاتِ أَعْظَمُ حِكْمَةٍ ** مُيَقَّظَةٍ ذَا اللُّبِّ عِنْدَ التَّفَقُّدِ

يُنَادِي لِسَانُ الْحَالِ جِدُّوا لِتَرْحَلُوا ** عَنِ الْمَنْزِلِ الْغَثِّ الْكَثِيرِ التَّنَكُّدِ

أَتَاكَ نَذِيرُ الشَّيْبِ بِالسِّقَمِ مُخْبِرًا ** بِأَنَّكَ تَتْلُو الْقَوْم فِي الْيَوْمِ أَو غَدِ

فَخُذْ أُهْبَةً فِي الزَّادِ فَالْمَوْتُ كَائِنٌ ** فَمَا مِنْهُ مِنْ مَنْجَا وَلا عَنْهُ عُنْدَدِ

فَمَا دَارُكُمْ هَذِهِ بِدَارِ إِقَامَةِ ** وَلَكِنَّهَا دَارُ ابْتِلا وَتَزَوُّدِ

أَمَا جَاءَكُمِ مِنْ رَبِّكُمْ وَتَزَوَّدُوا ** فَمَا عُذْرُ مَنْ وَافَاه غَيْرَ مُزَوَّدِ

وَمَا هَذِهِ الأَيَّامُ إِلا مَرَاحِلٌ ** تُقَرِّبُ مِنْ دَارِ اللِّقَا كُلّ مُبْعَدِ

وَمَنْ سَارَ نَحْوَ الدَّارِ سِتِّينَ حِجَّةً ** فَقَدْ حَانَ مِنْهُ الْمُلْتَقَى وَكَأَنَ قَدْ

وَمَا النَّاسُ إِلا مِثْلَ سَفْرٍ تَتَابَعُوا ** مُقِيمٌ لِتَهْوِيمٍ عَلَى إثْرِ مُغْتَدِي

وَمَنْ يَكُ عِزْرَائِيلُ كَافِلَ رُوحِهِ ** فَإِنْ فَاتَهُ فِي الْيَوْمِ لَمْ يَنْجُ مِنْ غَدِ

وَمَنْ رُوحُهُ فِي الْجِسْمِ مِنْهُ وَدِيعَةٌ ** فَهَيْهاتَ أَمْنٌ يُرْتَجَى مِن مُرَدِّدِ

فَمَا حَقُّ ذِي لُبٍّ يَبِيتُ بِلَيْلَةٍ ** بِلا كَتْبِ إِيصَاءِ وَإِشْهَادِ شُهَّدِ

وَوَاجِبُ الإِيصَا عَلَى الْمَرْءِ إِنْ يَكُنْ ** عَلَيْهِ حُقُوقٌ وَاجِبَاتُ التَّرَدُّدِ

وَلا بَأْسَ أَنْ يَخْبَا الْفَتَى كَفَنًا لَهُ ** لِحِلٍّ وَآثَارِ الرِّضَى وَالتَّعَبُّدِ

فَبَادِرْ هُجُومَ الْمَوْتِ فِي كَسْبِ مَا بِهِ ** تَفُوزُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاجْهَدِ

فَكَمْ غَبْنُ مَغْبُونٍ بِنَعْمَةِ صِحَّةِ ** وَنِعْمَةِ إِمْكانِ اكْتِسَابُ التَّعَبُّدِ

فَنَفْسُكَ فَاجْعَلْهَا وَصِيَّكَ مُكْثِرًا ** لِسَفْرَةِ يَوْمِ الْحَشْرِ طِيبَ التَّزَوُّدِ

وَمِثْلُ وُرُودِ الْقَبْرِ مَهْمَا رَأَيْتُهُ ** لِنَفْسِكَ نَفَّاعًا فَقَدِّمْهُ تَسْعَدِ

فَمَا نَفَعَ الإِنْسَانُ مِثْلُ اكْتِسَابِهِ ** بِيَوْمٍ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ كُلِّ مُحْتَدِ

كَفَى زَاجِرًا لِلْمَرْءِ مَوْتٌ مُحَتَّمٌ ** وَقَبْرٌ وَأَهْوَالٌ تُشَاهَدُ فِي غَد

وَنَارٌ تَلَظَّى أَوْعَدَ اللهُ مَنْ عَصَى ** فَمِنْ خَارِجٍ بَعْدَ الشَّقَا وَمُخَلَّدِ

وَيُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ الْفَتَى عَنْ نَبِيِّهِ ** وَعَنْ رَبِّهِ وَالدِّينِ فِعْلَ مُهَدِّدِ

فَمَنْ ثَبَّتَ اللهُ اسْتَجَابَ مُوَحِّدًا ** وَمَنْ لَمْ يُثَبَّتْ فَهُوَ غَيْرَ مُوَحِّدِ

وَتِلْكَ لَعَمْرِي آخِرُ الْفِتَنِ الَّتِي ** مَتَى تَنْجُو مِنْهَا فُزْتَ فَوْزَ مُخَلَّدِ

فَنَسْأَلُهُ التَّثْبِيتَ دُنْيَا وَآخِرًا ** وَخَاتِمَةَ تَقْضِي بِفَوْزٍ مُؤَبَّد

اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.